الأحد، 6 نوفمبر 2011

فــي إنتـظــــار القطـــــار



الجنوبيون العالقون بالشمال .. العيش علي حافة الحياة !

تحت رحمة الهجير ، وعلي حواف الحياة تتراص مساكنهم المصنوعة من أثمال خيام بالية ، ومشمعات فعل الزمن بها فعلته ، وجوالات خيش!، تحت شمس الخرطوم الحارقة يتجمعون ، من كل صوب أتوا يحملون هموم رحلتهم الشاقة نحو وطنهم الجديد .. وجهتهم كانت هذا المكان : محطة القطارات بمدينة الشجرة جنوب الخرطوم.
مابين 1500 - 1750 أسرة (تقريباً)  هم عدد السكان المقيمين بهذا المكان القريب من قلب الخرطوم والبعيد عن أعين مسئوليها.تجمعوا من شتي أنحاء السودان في انتظار قطارٍ لا أحد يعرف ميقات مجيئه.!
سانتينو قرنق ، شاب في مقتبل العمر ، انطفأ في عينيه بريق الامل، يخاطبني بحزن عميق ، ومن بين دموعه المنهمرة يقول لي : الأوضاع هنا صعبة ، عبارته كانت كافية لوصف هذا المكان ، لكني ألححتُ عليه بأن يحدثني أكثر ، يقول سانتينو بلغته العربية المبينة : جئت أنا وأسرتي إلي هذا المكان منذ ديسمبر من العام 2010م ، ولكن هنالك أسر حضرت إلي هنا في يناير وفبراير وحتي مارس وأبريل من هذا العام ، ومنذ ذلك الحين ونحنُ في انتظار القطار.نعيش هنا أوضاعاً قاسية، لك ان تتصور ان تجبر علي العيش في مكان تنعدم فيه كل مقومات الحياة، نعيش هنا بلا ماء ولا طعام ولا عمل. لا يوجد أحد في هذا المكان يملك شيئاً يقيه شر الجوع أو الهجير. لم يقدم لنا أحد مساعدات تعنيننا علي قسوة العيش هنا. الهلال الأحمر يجلب لنا الماء.وقد اقام خيمة علاجية منذ ثلاثة أشهر تقريباً. عدا ذلك لا شئ يذكر. لم يزورنا مسئول قط لا من الشمال ولا من الجنوب. في هذا المكان تنتشر الامراض بصورة مثيرة للقلق. تنتشر الملاريا ، والإلتهابات بأنواعها ، وهنالك اشخاص مصابون بالتيبي (السل) ، ولا يوجد علاج ، منذ يومين فقط جاء اطباء لهذا المعسكر ولكن بعد ان انتشرت الوبائيات. اليونسيف ايضاً قدمت بعض المساعات الطبية للأطفال ، وفي ظل انتشار الأمراض اضطرت لأن تقدم مساعدات طبية للكبار أيضاً. لك ان تتصور اننا نعيش هنا لأكثر من 11 شهراً ولا يوجد في هذا المكان مرحاض واحد، نستعين ببعض الأسر المجاورة للمعسكر ، ونستعين ببعض اسر العاملين بالسكة حديد ما خلا ذلك فلنا المعاناة التي لا يمكن أن يتخيلها بشر. كل سكان هذا المعسكر لا يعملون ، كان منهم الموظف ، والعامل ، والشرطي ورجل الجيش لكن جميعهم تم فصلهم من الخدمة عقب اعلان الانفصال.يقول سانتينو: انا ولدت هنا في الشمال ودرست هنا واحمل في دواخلي مشاعر طيبة تجاه اهلي في الشمال ، لكن هذه التجربة المريرة من شأنها ان تمحو الكثير.
نحن لا نملك الكثير من المتاع ، ولكن كل ما نملكه اهترأ بفعل الهجير والشمس الحارقة، أصبحنا بين ليلة وضحاها معدمين.
 يقول سانتينو ان جميع سكان هذا المعسكر أتوا من مناطق مختلفة داخل وخارج الخرطوم ، فمنهم من أتي  من شندي، ومن كسلا ، ومن الدندر، ومن القضارف ، ومن مدني وسنار هذا بالإضافة إلي مناطق الخرطوم المختلفة كالكلاكلات والأندلس وامدرمان. وهم جميعهم في انتظار العودة إلي ولاية بحر الغزال – أويل، مع وجود عدد قليل  لاينتمون إلي ولاية بحر الغزال.
بوب ، هو الآخر من سكان هذا المعسكر قصدت راكوبته الصغيرة ،المبنية من جولات خيش فارغة وفروع الأشجار، وجدته متدثراً همومه وأوجاع البقاء في هذا المكان المعزول. تردد في الحديث إلي وأشاح وجهه عني عدة مرات ، لكني كنت مُلحاً وكذا أصدقاء بوب ، حثوه علي الحديث ، قالوا له بامكان الصحافة ان تساعدنا في التعجيل بمفارقة هذا المكان ، لكنه روي لي ولهم قصة الرجل الذي أتي هنا ،قبل عدة ايام، وسألهم عن أوضاعهم ثم أتت بعده (كشة) البوليس، بوب مصاب برعب الكشات فيما يبدو من حديثه ، أول كلماته كانت شكواه ضد كشات البوليس المتواصلة. سألته عن أحواله وكيف يحيا في هذا المكان؟ فقال لي: ( أنا مجبور أقعد في مكان دا ، عشان منتظر قطر يجي يودينا بلدنا) ، حدثني بحزن عميق عن الكشات ومعاناته الشخصية معها ، قال لي : ( البوليس بجي هنا مرتين في يوم واحد ) دورية صباحية ودورية مسائية وكل يوم يتم إلقاء القبض علي عشرات الشباب والشابات بدعوي تدخين الشيشة! ، سالته هل توجد هنا محال تجارية للشيشة فرد بالنفي ، وقال : لكن بعض الشباب يمتلكون الشيشة في بيوتهم ، ولأنه لا توجد بيوت هنا فالكشة تأخذ الجميع !!. يقول بوب : الناس هنا يتعرضون يومياً للإهانة ، نحن نريد ان نغادر هذا المكان إلي مكان نجد فيه الإحترام ولكننا لا نملك حتي ثمن الرغيف فكيف لنا أن نستطيع الرحيل إلي الجنوب أو أي  مكان آخر. سألت بوب عن الجهات التي قدمت أو تقدم لهم أي نوع من المساعدات فرد : ( مـافي)!.
كرستوفر ، الصديق الآخر لبوب ، ألتقيتهم في نفس المكان ، قال لي توجد الكثير من المآسي الإنسانية هنا ، روي كرستوفر انه قبل عدة أسابيع توفي أحد سكان المعسكر فذهبنا لندفنه بمقابر حسن الخاتمة القريبة من منطقة مايو ، كانت هي الاقرب والتي يعرفها بعضنا ، هناك تفاجئنا بان اللجنة المسئولة رفضت السماح لنا بالدفن ! كدنا ان نترك الجنازة في العراء ونذهب ، ولكن بعد مشادات كلامية حادة وتدخلات من أطراف عديدة بينها مواطنون شماليون سمحوا لنا بالدفن!.. من جانبها حاولت (الأيام) الإتصال بلجنة مقابر حسن الخاتمة لتأكيد الحادثة ولكن لم يتثني لنا الحصول علي مقابلة مع اللجنة المسئولة.
بول ، في السادسة عشر من عمره ، حدثني عن همومه وهموم أنداده ، يقول بول : جئت إلي هذا المعسكر منذ 6 أشهر ، وما زلت في انتظار القطار، كنت أدرس بمدارس كمبوني، ولكن للاسف حالياً تركت الدراسة. لا أستطيع الذهاب إلي المدرسة لأن والدي فصل عن العمل ولا أستطيع توفير  مصاريف الدراسة والمواصلات والنفقات اليومية. عدد كبير من اصاقائي هنا تركوا دراستهم وتفرغوا للإنتظار!، نحاول ترتيب أوضاعنا عسي ولعل ان نلتحق بالعام الدراسي ، مستقلبنا يتبدد ونحن ما بين بلدين وهموم كثيرة.
الناس هنا لايجدون ما يعينهم علي قساوة الحياة ، ويعيشون في ظروف بالغة التعقيد ، معسكر بكامله واكثر من 1500 أسرة تتواجد في هذا المكان بلا مأوي ولا سبل عيش ، وحتي يلا مراحيض ، فكلم أن تتخيلوا حجم المأساة!.
سألتُ الأستاذ خالد عبدالقادر ممثل مفوضية العمل الطوعي عن عملهم فيما يتعلق بهذا المعسكر، فقال بدانا اليوم (12 اكتوبر) تسجيل جميع الموجود بهذا المعسكر بغية ترحيلهم إلي الجنوب عن طريق القطارات.وأضاف: لم نفرغ بعد من التسجيل ولكن نعمل بصروة حثيثة للفراغ من التسجيل ومن ثم الترحيل. ويقول من المعوقات التي تواجه عملهم هي الأعداد الكبيرة من الناس الموجودين بالمعسكر ، يضيف خالد هذا العدد أكبر من طاقتنا. هذا بالإضافة إلي انتشار العديد من الأمراض والأوبئة وسط المقيمين بهذا المعسكر. يقول خالد : هنالك حالات درن (سل) تنتشر وسط المقيمين هنا. وهنالك عدد من الأفراد لابد من حجزهم للعلاج قبل الترحيل ، وهنالك حوامل لابد ان تتم معاملتهن بصورة خاصة.
يقول خالد ان آخر يوم لترحيل جميع الموجودين بهذا المعسكر إلي الجنوب هو يوم 31 ديسمبر 2011 بحسب خطة مفوضية العمل الطوعي والإنساني. ويضيف: بحسب الخطة ايضاً هنالك 8 قطارات ستسافر محملة بالعائدين إلي الجنوب ، وخطتنا ان نقوم بترحيل 12,761 فرد ، وقال خالد ان الموجودين بهذا المعسكر يقدروا بحوالي 3 آلاف فرد بحسب احصاءات أولية.
تتسع رقعة المأساة .. الحاج يوسف الشقلة ، ساحة أخري من ساحات انتظار القطار والتشبث بالأمل. في ميدان وسط الحي يتجمع العالقون ، هنا ايضاً تنعدم مقومات الحياة . وتضيق فرص العيش.
منذ أكثر من 11 شهراً يعيش موسس لوال مدوت في هذا المكان .. ويصف الوضع بانه صعب للغاية. يقول موسس عشت عمري كله في الشمال وحالياً انا في انتظار العودة لوطني الجديد ، سأعود بلا أي شئ ولا أي ممتكات لأن : (العفش حقنا كلو الشمس أكلو ) ، جميع حاجياته إهترأت بفعل الهجير .. هي 11 شهر قاسية. يقول موسس  عشنا معظم فصول السنة في هذا الميدان/ المعسكر . أمطرت ونحن هنا ، وجاء الصيف ونحن هنا ، عشنا في هذا العراء تحت المطر وتحت حر الشمس. أطفالنا يعانون ، وقد تم توقيفنا من العمل ، ولا نجد ما يعنينا علي قسوة الحياة. تصعب علينا المعيشة. نستلف الماء من الجيران بالاحياء ، ونستخدم مراحيضهم بعض الأحيان ولكنا نستحي في مرات كثيرة. أحس بالضيق  لأننا نضايق الجيران الذين يعاملونا بإحترام وشفقة، يقول موسس. ويضيف : هذا المكان لو استمر بقاءنا فيه سيكون مرتع للأمراض ، وحالياً يوجد الكثير من المرضي وتنتشر الوبائيات خاصة وسط الأطفال.
اتصلت بالاستاذ صلاح كشول المتحدث باسم منظمة الهجرة الدولية لطلب بعض الايضاحات حول أمر الجنوبيين العالقين بالشمال ولكن هاتفه لايستجيب.
هي معاناة إنسانية بكل المقاييس ،معاناة الجنونبيين العالقين بالشمال ، نعكسها هنا فهل من مجيب؟

(نشر بصحيفة الأيام)

السبت، 1 أكتوبر 2011

حول ولاية الخبير المستقل المعني بأوضاع حقوق الإنسان في السودان


تضاربت الأخبار الواردة بصحف الخرطوم في الأيام الماضية حول ولاية الخبير المستقل المعني بأوضاع حقوق الإنسان في السودان، القاضي محمد عثمان تشاندي، فبعض الصحف حملت في عناوينها البارزة خبراً  مثل : " مجلس حقوق الإنسان يُنهي ولاية الخبير المستقل للسودان " (الإنتباهة/ الجمعة 30 سبتمبر) ، و " مجلس حقوق الإنسان ينهي ولاية الخبير المستقل في السودان "  (الرائد /الجمعة 30 سبتمبر) ، و " انهاء ولاية الخبير المستقل لحقوق الانسان بالبلاد" (السوداني)، بينما أوردت صحيفة  الأحداث : (مجلس حقوق الانسان يمدد مهمة شاندى) ، وتحت عنوان : (إنهاء ولاية خبير حقوق الإنسان الرقابية بالسودان) أجرت الإذاعة السودانية عدداً من الحوارات مع أبراهيم المفتي وممثل لوزارة الخارجية كانت محل اهتمام نشراتها الإخبارية ليوم الجمعة.


ولا أدري ما إذا كان هذا التضارب المخل بالمهنية هو نتيجة جهل بما دار في جنيف حيث عقدت اجتماعات مجلس حقوق الإنسان، أم انه جاء عمداً بنية التضليل ، الذي يقود إلي الإعتقاد بأن أوضاع حقوق الإنسان في السودان قد تحسنت ؟. أيضاً لا  أعتقد ان هنالك من يظن – برغم زخم التضليل الإعلامي – ان اوضاع حقوق الإنسان في السودان قد تحسنت او ستتحسن ، وكلنا يري يومياً بأم عينيه ويشاهد عن طريق الإعلام غير الموجه الذي أتاحه الإنترنت عشرات المآسي في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
الحقيقة التي لا جدال حولها ان مجلس حقوق الإنسان بجنيف لم ( ينهي ) ولاية الخبير المستقل المعني بأوضاع حقوق الإنسان بالسودان، ولاحتي ولايته الرقابية كما أوردت وكالة السودان للأنباء – الوكالة الرسمية بالدولة- بل ان المجلس (مدد) ولاية الخبير المستقل لمدة عام آخر ، وهذا انتصار للنشطاء الحقوقيين السودانيين يجب تهنئتهم عليه.
 المجلس مدد ولاية الخبير المستقل لعام آخر تحت البند العاشر ، وكان الخبيرالمستقل يضطلع بمهامه في السابق تحت البند الرابع، وهنا قد يسأل سائل : ما الفرق بين الولايتين؟ هذا ما سأكرس هذه الكتابة لشرحه وتوضيحه.
البند العاشر الذي تم بموجبه تجديد ولاية الخبير المستقل ، هو بند يعني بالمساعدات الفنية لمساعدة الدول علي تحسين أوضاع حقوق الإنسان علي الأرض، كما يحتوي في نفس الوقت علي ولاية مراقبة أوضاع حقوق الإنسان علي الارض وتقديم تقرير دوري حول التقدم المحرز والانتهاكات التي ترتكبها الحكومات. وفي حالة السودان هذا الأمر يعني انه (فنياً) هي نفس العملية ، ولكن قد يكون لذلك مدلولات (سياسية) ، وهذا الأمر قليل الأهمية بالنسبة للمعنيين فعلياً بتحسين اوضاع حقوق الانسان.
أما البند الرابع فهو يُعني بالبلدان ذات الأوضاع الخاصة ، او الدول ذات السجل الأسوأ في مجال حقوق الإنسان.ومعروف ان السودان ظل مقيداً بهذا السجل لمدة 17 عاماً. الأمر الذي دفع بالدول الأخري، في دورة اجتماعات المجلس الثامنة عشر – وتحديداً أمريكا – أن تقترح علي السودان بان تتم مساعدته فنياً بخبير مستقل يساعده في تحسين أوضاع حقوق الإنسان التي كانت وما زالت محل تجاهل الحكومة السودانية. وأن يمنح فرصة عام يقدم بعدها الخبير المستقل تقريره حول الأوضاع وتعاون الحكومة ، فإذا لم يتحسن شئ علي الأرض فمن المؤكد ان هنالك اجراءات اخري سيتم اتباعها.
من المهم أن نشير إلي أن مشروع قرار تمديد ولاية الخبير المستقل قد طرحته أمريكا علي الحكومة السودانية وتمت مناقشته مع مجموعة الدول الأفريقية بحضور مصر وقطر، وفي البداية رفض السودان مشروع التمديد إلا انه عاد ووافق علي التمديد تحت البند العاشر.
ويجب ايضاً ان نشير إلي أن هذا التغيير في الولاية ليس له أي مدولولات من النواحي الفنية، وهذا هو محل اهتمام المعنيين فعلياً بأوضاع حقوق الإنسان من النشطاء السودانيين وأصدقاء الشعب السوداني.

السبت، 24 سبتمبر 2011

قراءة في واقع حرية الإعتقاد وحقوق الأقليات الدينية في السودان

علي خلفية اتهام 129 مواطناً بالردة

قراءة في واقع حرية الإعتقاد وحقوق الأقليات الدينية في السودان 

تابعتُ باهتمام بالغ علي مدي ثلاث جلسات عقدت بتاريخ (14 – 19 – 22 سبتمبر 2011م) بمحكمة جنايات حي النصر – مايو ، محاكمة 129 متهماً بـ (الردة) ، أمام القاضي اسامة احمد عبدالله. الإتهام الرئيسي الذي تم توجيهه للمتهمين بعد الفراغ من التحري هو المادة (126) من القانون الجنائي السوداني، التي تتعلق بالردة. وبحسب متابعتي لمجريات المحكمة فقد كان جميع المتهمين ينطقون بالشهادتين أمام القاضي الذي يواصل في سماعه وإجراءاته تحت طائلة اتهام (الردة)! دون اكتراث لعشرات الـشهادات التي تم نطقها أمامه ، كان الامر محيراً ، أجريت العديد من المقابلات مع المتهمين، وابلغني طه (إسم غير حقيقي) : ( انه ومجموعته يؤمنون بالله ، ولكنهم غير مقتنعين بالسنة) ،قال لي: ( أنا قرأت صحيح البخاري، وأعرف السنة تماماً ولكني غير مقتنع بذلك)، وهنا بدأت تدور برأسي الاسئلة الموجعة حول حرية الإعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية في هذا البلد.

يقول الشاكي (وهو رقيب بشرطة المباحث) : ( هذه الجماعة تطلق علي نفسها الجماعة القرآنية ، تمارس شعائرها الدينية في خلوة بحي الاندلس منطقة مايو . الجماعة تأخذ الكتاب (القرآن) كمصدر تشريعي وحيد دون الأخذ بالسنة ، لا يعملون بأقوال وافعال الرسول محمد ، يؤدون صلاة الجمعة في أربعة ركعات سراً ، وليس لديهم آذان ولا اقامة للصلاة ، وتكون الخطبة بعد الصلاة وليس قبلها. أما طريقة الوضوء فتكون بغسل الوجه واليدين والرجلين دون عدد ، ولا يعملون بالمضمضة والاستنشاق والاستنثار). وهذا هو (الإتهام!).

جميع (المتهمين) الـ (129) الذين ينتمون إلي مجموعة الهوسا الإثنية، لم ينكروا هذه (التهمة). إذن نحن لسنا امام (تهمة) إنما أمام أشخاص يمارسون طريقة مختلفة لأداء شعائرهم الدينية ، إذن نحن أمام (آخر مختلف) يجب إحترام حقه في أن يكون مختلفاً ، ولسنا أمام (متهم) تجب معاقبته واعادته إلي الطريق الصحيح. لكن قاضي المحكمة أمر بـ (إستتابتهم) جميعاً وتعليمهم (أصول الدين الإسلامي الصحيح) ومراقبتهم ، وهو بذلك انما يجبرهم علي التخلي عن (معتقداتهم) وتبني المعتقدات والممارسات الدينية التي يؤمن بها القاضي وغالبية المسلمين في السودان، أنه اجبار الأقليات علي ترك معتقداتها وتبني معتقدات الأغلبية!.  
وبحسب المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (والسودان طرف بهذا العهد) لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره. بحسب نص المادة (126) من القانون الجنائي السوداني ، فإن وصف المرتد يشمل أي شخص (يدعو الي التخلي عن عقيدة الإسلام أو يعلن على الملأ التخلي عن الإسلام عن طريق بيان صريح أو فعل قاطع.). وإذا وجد ت المحكمة أن الأشخاص المتهمين مذنبين بإرتكاب جريمة الردة ، فإنهم سيمنحوا طبقا لنص المادة (126) الفرصة للتوبة. وإذا فشلوا في إبداء التوبة فسيتم تطبيق العقوبة القصوى بشأنهم، وهي عقوبة الإعدام.

التهمة التي وجهتها المحكمة هي كما ذكرت (الردة) ولكن فيما بدا من جلسات المحكمة ومقابلاتي مع المتهمين فإنهم يمارسون تعبدهم بطريقتهم الخاصة . وهم ليسوا مرتدين بأية حال، وفقاً لتعريف المُشرّع السوداني لـ (الردة) ، او حتي وفقاً للتعريف اللغوي الذي يعني الرجوع أو الإرتداد عن الشئ !. وهذا لا يعني أنني أدين فعل (الردة) او استنكف مبدأ حرية الدين والعقيدة ، ولكن لأبين ان هؤلاء الـ 129 مواطناً ليسوا مرتدين ، إنما هم أهل مذهب مختلف!. وإمعاناً في إجبار (المتهمين) للتخلي عن معتقداتهم ، ووفقاً لإفادات المتحري : ( فقد احضرت الشرطة أربعة (علماء) من جامعة امدرمان الاسلامية ، وعقدت مناظرة بين الشيخ يحي وهو زعيم الجماعة (ووفقاً لمضابط المحكمة هو المتهم الاول) واتباعه من جانب وبين (علماء) جامعة امدرمان الاسلامية من جانب، واعلن الشيخ يحي جهله بكثير من الامور الدينية. وتم عقد محاضرة بمسجد رئاسة شرطة جبل اولياء بحضور جميع (المتهمين) . واعلن (المتهمون) توبتهم وعودتهم الي الله (بحسب اقوال المتحري).

الحق في حرية الدين /المعتقد :     
      
يقصد بالحق في حرية الدين أو المعتقد في إطار منظومة حقوق الإنسان حرية الفرد في اعتناق ما يشاء من أفكار دينية أو غير دينية. قامت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في عام 1993، وهي لجنة تقوم بالإشراف على تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتتشكل من ثمانية عشر خبيراً يتم انتخابهم من قبل الدول الأطراف في العهد، بالإشارة إلى أن المقصود بالدين أو المعتقد ضمن يتمثل في (معتقدات في وجود إله، أو في عدم وجوده أو معتقدات ملحدة، بجانب الحق في عدم ممارسة أي دين أو معتقد).

إن الديانات والمعتقدات تجلب الأمل والسلوى إلى المليارات من الأفراد، كما أن لها تأثير على المساهمة في تحقيق السلام والمصالحة. إلا أنها من ناحية أخرى كانت مصدرا للتوتر والصراعات. هذا التعقيد، بجانب صعوبة تعريف الدين أو المعتقد ينعكسان في التاريخ النامي لحماية حرية الدين أو المعتقد في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان. إن الكفاح من أجل الحرية الدينية قائم منذ قرون؛ وقد أدى إلى كثير من الصراعات المفجعة.
وعلى الرغم من أن مثل هذه الصراعات مازالت قائمة إلا أنه يمكن القول بأن القرن العشرين قد شهد بعض التقدم حيث تم الإقرار ببعض المبادئ المشتركة الخاصة بحرية الديانة أو المعتقد ، علي المستوي العالمي.
وقد اعترفت الأمم المتحدة بأهمية حرية الديانة أو المعتقد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمد عام 1948، حيث تنص المادة 18 منه على أن : لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره وقد تلى اعتماد هذا الإعلان محاولات عدة لوضع اتفاقية خاصة بالحق في حرية الدين والمعتقد إلا أن كافة تلك المحاولات قد باءت بالفشل.

ويرجع المهتمين ذلك إلي ان الموضوع يتسم بالتعقيد. كما أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966، بالحق في حرية الدين أو المعتقد وذلك من بين ما اقره به من حقوق وحريات.
وتنص المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أربع بنود بهذا الخصوص؛ وهي أن : لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة. ولا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره. ولا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية. هذا بجانب تعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة. وفي إطار تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصصت اتفاقيات دولية ملزمة لتناول مادة واحدة أو أكثر من مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ولكن نظرا لتعقد الموضوع الذي تعالجه المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وللاعتبارات السياسية اللصيقة بموضوعها لم يصبح الموضوع الذي تعالجه هذه المادة محلا لاتفاقية دولية حتى الآن. وبعد عشرين سنة من مناقشات وكفاح وعمل شاق تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بدون تصويت عام 1981 إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد . وإن كان إعلان عام 1981 يفتقر إلى الطبيعة الإلزامية ولا يتضمن النص على آلية للإشراف على تنفيذه إلا أنه مازال يعتبر أهم تقنين معاصر لمبدأ حرية الديانة والمعتقد.

اذن، ماجري بمحكمة جنايات حي النصر ، يتعبر انتهاكاً لحرية الدين والمعتقد وفقاً للعهد الودلي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي وقع وصادق عليه السودان منذ اكثر من 25 عاماً.

ــــــــــــــــــ

*أعتذر عن استخدام كلمة (متهمين) لوصف هذه الجماعة ولكن اعتمدت علي العبارات التي وردت بمضابط المحكمة لأبين مدي التمييز ضد الأقليات الدينية.
*استندت علي الكتيب الدراسي حول (حرية الدين أو المعتقد) الذي اعده مايكل روان، من مشروع تاندم ، ونشرته جامعة منيسوتا ، كمرجع لإعداد هذه الكتابة.

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2011

السودان : إغلاق 12 صحيفة وتشريد اكثر من 200 صحفي ومعاون إعلامي!





شهدت الفترة التي أعقبت استقلال جنوب السودان انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والحريات العامة بالجزء الشمالي من السودان ، وعلي وجه الخصوص تفاقمت بشكل مثير للقلق انتهاكات حرية الصحافة وحرية التعبير.
ودرجت الحكومة السودانية علي تكرار اعتداءاتها علي حرية الصحافة وحرية التعبير بدون مراعاة لإلتزاماتها الدولية لحماية حرية الصحافة وحق التعبير.
وتتفاوت انتهاكات الحريات الصحفية ما بين إغلاق الصحف نهائياً ، واغلاقها بشكل مؤقت ، أو حجزها بالمطابع بعد الفراغ من طباعتها ومصادرتها بعد الطبع.
وتأتي مسألة مصادرة الصحف وحجزها بالمطابع بعد الفراغ من طباعتها كأحد الأساليب التي تنتهجها الحكومة السودانية لتعطيل الصحف وتكبيدها خسائر مالية فادحة لتضطرها في آخر الأمر إلي التوقف من تلقاء نفسها تحت وطأة الضغوط الإقتصادية.
وعلي سبيل المثال ، في يومي 7 و 8 أغسطس، قامت قوة من جهاز الأمن والمخابرات بحجز صحيفة (الأحداث) اليومية بالمطبعة ومنعها من التوزيع، بدون إبداء اي اسباب لذلك المنع.
وفي 20 ، 21 ، 22 أغسطس ، حجزت سلطات الأمن الصحيفة اليومية ( الجريدة) بالمطبعة ، ومنعتها من التوزيع .
وفي يوم الأحد 4 سبتمبر ، حجز جهاز الأمن والمخابرات الوطني كافة النسخ المطبوعة من صحيفة (الميدان) بالمطبعة ومنع شركة التوزيع المتعاقدة مع الصحيفة من استلام النسخ المطبوعة منها وتوزيعها.
كما تم في نفس اليوم وبنفس السيناريو منع صحيفة ( الجريدة) من التوزيع وحجزها بالمطبعة بعد الفراغ من طباعتها مرة أخري.
وفي يوم الثلاثاء 6 سبتمبر ، قام جهاز الأمن بحجز صحيفة ( الميدان) بالمطبعة بعد الفراغ من طباعتها ومنعها من التوزيع للمرة الثانية في نفس الأسبوع.
وفي يوم الخميس 8 سبتمبر، تم حجز صحيفتي (الميدان) و(الصحافة) بالمطبعة وبعد الفراغ من طباعتهما ، وبذا تكون صحيفة الميدان قد غابت عن قراءها لأسبوع كامل لأنها تصدر ثلاث مرات في الأسبوع.

وتواصل مسلسل حجز صحيفة (الميدان) بالمطبعة بدون ابداء اية اسباب معقولة لذلك المنع الذي يتم خارج اطار القانون وتم حجزها بالمطبعة مرة أخري يوم الأحد 11 سبتمبر ، ويوم الثلاثاء 13 سبتمبر.
وفي يوم الثلاثاء 13 سبتمبر تم حجز صحيفة (أخبار اليوم) بالمطبعة ومنعها من التوزيع،وايضاً لم تبد القوة الأمنية التي منعتها من التوزيع اي أسباب لذلك.
وفي يوم الأثنين 12 سبتمبر أصدر المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية أمراً يقضي بإيقاف ستة صحف رياضية ، هي (حبيب البلد ) و (المشاهد) ، و(الزعيم) ، و( سوبر) ، و( المريخ) ، و(عالم النجوم).
وبعث بخطابات لست مؤسسات صحفية رياضية وأبلغها قراره بتعليق صدور الصحف التي تصدر عنها إلي حين استكمال إجراءات ترتيب أوضاعها الإدارية والمهنية. وقال الأمين العام للمجلس العبيد مروح للصحفيين إن المجلس سيبعث اليوم الثلاثاء بخطابات إنذار نهائي لثلاث شركات أخرى لترتييب أوضاعها الإدارية والمهنية.
وتسلمت إدارات الشركات التي تصدر الصحف الستة قرار المجلس. والشركات هي شركة صلوات التي تصدر صحيفة (حبيب البلد) ، وشركة دار البلاغة التي تصدر صحيفة (المشاهد) ، وشركة ينظرون التي تصدر صحيفة (الزعيم) ، وشركة المريخ التي تصدر صحيفة (المريخ) ، وشركة ضمان التي تصدر صحيفة (سوبر)، وشركة الباحة التي تصدر صحيفة ( عالم النجوم).
وكان المجلس القومي للصحافة والمطبوعات ( وهو مجلس حكومي يعين رئيس الجمهورية غالبية أعضاءه) قد أصدر قراراً يوم الجمعة 8 يوليو - عشية استقلال جنوب السودان - يقضي بإغلاق ستة صحف سياسية يومية ناطقة بالانجليزية والعربية.
الصحف الإنجليزية التي تم توقيفها هي : (خرطوم مونيتر ، سودان تريبون ، أدفوكيت ، جوبا بوست ، ذا ديموكراط) وصحيفة أجراس الحرية الناطقة بالعربية وذات الشهرة الواسعة.
وقال الأمين العام للمجلس في تصريح لموقع مقرب من جهاز الأمن ان الصحف تم توقيفها " اعتباراً من التاسع من يوليو الجاري على خلفية وجود مواطنين من دولة جنوب السودان ضمن الملاك والناشرين لهذه الصحف، وذلك إنفاذاً لنص المادة (28) من قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2004م."
مجلس الصحافة والمطبوعات هو هيئة حكومية وهو بحسب قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009 يقع مباشرة تحت رعاية وإشراف رئاسة الجمهورية وهي التي تخطره بالسياسات العامة
للدولة المقررة في إستراتيجياتها فيما يتعلق بمهنة الصحافة. ويقوم رئيس الجمهورية بتعيين مجلس الصحافة .
يختص المجلس بالإشراف على الأداء العام للمؤسسات والشركات الصحفية ودور النشر والمطابع ومراكز الخدمات ووكالات الأنباء ووكالات الإعلان ، ومراجعة أدائها المهني .
ويختص المجلس بحسب القانون (المعيب) بممارسة صلاحيات وسلطات واسعة تصل إلي حد ايقاف الصحف ويختص كذلك باصدار تراخيص اصدار الصحف.
12 صحيفة تم اغلاقها نهائياً بأسباب واهية ، وأربعة صحف يتم حجزها بالمطابع بدون ابداء اسباب لذلك المنع ما يدلل علي ضيق الحكومة السودانية بممارسة حرية التعبير ، واقدامها علي تحجيم دور الصحافة في البلاد التي تمر بمرحلة حرجة في تاريخها تحتاج الي مختلف الاصوات.
الضيف بحرية الصحافة يرده البعض الي سعي الحكومة السودانية إلي اعلان دستور اسلامي تريده ان يمر وسط تكتم وتعتيم شديدين...
ما نود ان نقوله هنا : علي المجتمع الدولي ونشطاء حرية التعبير في كل مكان شجب وادنة انتهاكات حرية الصحافة في السودان.

الأربعاء، 29 يونيو 2011

الملاحقات القضائية والتضييق ضد حرية الصحافة مازال مستمراً



أجلت محكمة جرائم النشر ، بمجمع محاكم الخرطوم شمال ،برئاسة القاضي مدثر الرشيد أجلت النظر في بلاغ جهاز الأمن ضد الكاتب الصحفي وأستاذ الإعلام بالجامعات السودانية ،الأستاذ فيصل محمد صالح، الي يوم 28 يوليو، بسبب غياب أحد أطراف البلاغ وهو رئيس تحرير صحيفة الأخبار التي نشرت عمود الاستاذ فيصل.العمود الذي طالب فيه بفتح تحقيق حول حادثة اغتصاب الفنانة التشكيلية صفية اسحق فبدلاُ من فتح التحقيق تم فتح بلاغ ضد فيصل وثماني صحفيين وصحفيات أخرين كتبوا حول هذه الحادثة. وفي القوت الذي تم فيه تأجيل بلاغ فيصل الي الشهر القادم، يمثل صباح اليوم الدكتور عمر القراي الكاتب الصحفي بصحيفة أجراس الحرية أمام ذات المحكمة في ذات القضية.وتمثل في نفس المحكمة يوم غد الخميس فاطمة غزالي الصحفية بصحيفة الجريدة والصحفي سعد الدين ابراهيم رئيس تحرير الصحيفة في نفس القضية ليواجها نفس الاتهامات.
النشر في قضية اغتصاب الفنانة التشكيلية صفية اسحق االتي ظهرت في مقطع فيديو علي اليوتيوب وقالت ان ثلاثة من افراد الأمن اعتقلوها واغتصبوها أصبح هاجساً بالنسبة للصحفيين والصحف في هذا البلد الذي يعاني من تدهور مريع في الحريات ،ويشهد قمعاً غير مسبوق لحرية التعبير والنشر والصحافة.وتقف جهات حكومية عديدة متفرجة علي هذا القمع بدون أن تحرك ساكناً.وكانت صحيفة أجراس الحرية قد قدمت سلسلة من الخطابات لمجلس الصحافة والمطبوعات بدون أن تجد رداًعلي أي من خطاباتها حول التعطيل المتعمد للصحيفة من قبل جهاز الأمن والمخابرات الوطني. وكانت قوة من شعبة الاعلام بجهاز الأمن واظبت في الحضور الي المطبعة التي تطيع اجراس االحرية وتقوم بحجز الصحيفة بالمطبعة ومنعها من التوزيع. ومنذ مطلع هذا العام قام جهاز الامن والمخابرات الوطني بتعطيل أجراس الحرية تسعة مرات في : (20 يناير - و31يناير - و8 مارس – و6 أبريل – و7 أبريل – و10 يونيو – و21 يونيو – و26 يونيو) وفي كل مرة تتم فيها مصادرة الصحيفة لاتبدي الأجهزة الأمنية التي تصادرها اي أسباب ، وتتم هذه المصادرة بصورة غير قانونية ولامسنودة الي دستور. ولا يمكن تفسير مثل هذه الممارسة إلا بمفتاح واحد وهو ان الأجهزة الأمنية التي تقوم بمنع الصحيفة من التوزيع بعد مصادرتها تريد ان تكبد الصحيفة خسائر مادية فادحة ، وتضطرها إلي إغلاق ابوابها او فتحها نحو مزادات بيع الضمير. ويجدر بنا ان نشير هنا الي ان تكلفة الخسائر التي تكبتدها اجراس الحرية في هذا العام فقط بلغت 88 مليون جنيه.لكنها مازالت صامدة.
ولم تكن أجراس الحرية وحدها في هذا المنحي ، فقد وقع هذا العسف من قبل علي جميع الصحف الناقدة، فالميدان تعرضت ومازالت تتعرض لمزيد من الضغوط والقيود ، فقد اعتقل جميع صحفييها وموظفيها في مطلع هذا العام في غارة أمنية علي مكاتب الصحيفة.وتم من قبل اغلاق صحيفة رأي الشعب ومصادرة ممتلكاتها. ويبدو انه الرعب من ممارسة حق التعبير.
مصادرة الصحف واغلاقها تتم بدون إبداء اسباب واضحة ، وبدون مسوغ قانوني، وفي جميع الحالات لم يكلف افراد الامن انفسهم عناء التوضيح للصحيفة وقراءها أسباب منع الصحيفة من التوزيع وحجزها بالمطبعة ، والتفسير الوحيد في حالة اجراس الحرية الأخيرة هي محاولة (الغتغتة) والتعتيم والتضليل الاعلامي لما يحدث في ولاية جنوب كردفان .

حجز الصحف بالمطابع ، ومنعها من التوزيع يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في حرية النشر والتعبير وحرية إبداء الرأي،وهذه الحريات مكفولة في جميع المواثيق والعهود الدولية ،وأكد عليها الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2005م، ومعروف أيضاً ان السودان دولة طرف في العهد الدولي للحقوق المدنية واالسياسية ، والميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب وبموجب هاتين الوثيقتين الدوليتين تقع علي السودان التزامات دولية بحماية الحق في حرية الصحافة و النشر وحرية الرأي والتعبير.

والجدير بالذكر هنا ان النظام القانوني في السودان لايحمي حرية الصحافة والتعبير ولاتوجد ضمانات قانونية كافية لممارسة حرية التعبير،ويواجه ثمانية صحافيين حالياً في السودان اتهامات تتعلق بإشانة السمعة والنشر الضار.و(إشانة السمعة) اتهام فضفاض وبدون تعريف في القانون الجنائي السوداني.
وكانت محكمة جنايات الخرطوم شمال برئاسة القاضي مدثر الرشيد قد أرجأت اليوم 21 يونيو محاكمة الكاتب الصحفيين عبدالله الشيخ، والدكتور عمر القراي إلي التاسع والعشرين من يونيو الجاري. الشيخ هو رئيس تحرير اجراس الحرية السابق ، والقراي وهو كاتب مقال بصحيفة أجراس الحرية يواجهان اتهامات بالنشر الكاذب وإشانة السمعة بسبب بلاغ دونه ضدهما جهاز الأمن بسبب نشر الكاتب مقالاً انتقد فيه جهاز الامن عندما ظهرت الناشطة صفية إسحق في وسائل الاعلام في شهر مارس الماضي وقالت انها تعرضت للاعتقال والاغتصاب من قبل ثلاثة افراد من جهاز الامن ، ودعا القراي في مقاله الي فتح تحقيق حول القضية ،وبدلا من فتح التحقيق فتح الأمن بلاغاً ضد القراي ورئيس تحرير اجراس الحرية.. بينما يمثل في ذات المحكمة يوم28يوينو الجاري كاتب العمود بصحيفة الأخبار واستاذ الاعلام بالجامعات السودانية : فيصل محمد صالح حول ذات القضية، فيما تمثل الصحفية بصحيفة الجريدة : فاطمه غزالي والصحفي سعد الدين ابراهيم رئيس تحرير صحيفة الجريدة في ذات المحكمة الي يوم 26 يونيو الجاري .وفي هذا اليوم الثلاثاء 21 يونيو ايضاً، ارجأت محكمة جنايات الخرطوم وسط برئاسة القاضي عبدالمنعم سليم محمد علي ، محاكمة الصحفي بصحيفة (الصحافة)جعفرالسبكي الي يوم 12 يوليو القادم.
وكانت السلطات الأمنية قد اعتقلت السبكي يوم 3 نوفمبر 2010م، وظل طيلة السبعة أشهر الماضية في الحبس بدون أمر قضائي او توجيه تهمة، ودونت مؤخراً في مواجهته بلاغات تتعلق بتقويض النظام الدستوري، وهي تهمة تصل عقوبها الي الاعدام.
وكانت الصحفية امل هباني قد مثلت امام محكمة جنايات الخرطوم شمال يوم الخميس الماضي بتهمة اشانة السمعة وتمت تبرئتها من التهمة إلا انها تواجه بلاغات اخري بذات التهمة (اشانة السمعة). هباني تم فصلها من عملها بعد أن خضعت الصحيفة التي تعمل بها لضغوط أمنية.
وفي سياق متصل مثل امام محكمة جنايات الخرطوم شمال يوم الاربعاء 1 يونيو، الصحفي بصحيفة الجريدة :حسن اسحق وتم تأجيل النظر في قضيته إلي يوم 2 أغسطس القادم . حسن اسحق كان قد تم اعتقاله وتعذيبه بواسطة جهاز الأمن في يوم 8 أبريل الماضي . تم اعتقال حسن أثناء عمله حيث كان يقوم بتغطية ندوة أقامها حزب المؤتمر السوداني وفي أثناء الندوة كان الامن قد اعتقل جميع الحاضرين بما فيهم الصحفيين الذين يقومون بأداء عملهم . اعتقل حسن وتم احتجازه بأحدي مكاتب الأمن حيث تعرض للضرب والمعاملة القاسية من قبل معتقليه، ثم تم تحويله إلي قسم شرطة الخرطوم بحري حيث قضي ليله كاملة هنالك بمعزل عن العالم الخارجي ودون ان يبلغ ذويه او صحيفته.
وقامت جهات ومنظمات دولية اقليمية مهتمة بحرية التعبير وحرية الصحافة بإدانة هذا السلوك المتعسف ضد الصحفيين السودانيين. وأعلنت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ادانتها لمصادرة أجراس الحرية من قبل جهاز الامن والمخابرات الوطني ـ كما أعلنت ادانتها للملاحقات القضائية التي يتعرض لها الصحفيون في االسودان ، وقال الشبكة العربية في بيان لها صدر مطلع هذا الاسبوع ان وضع حرية الصحافة في السودان اصبح مقلق للغاية ، ففضلاً عم المحاكمات التي اصبحت سيف يهدد الصحفيين مع كل حرف يكتبونه نجد ان جهاز الامن والمخابرات الوطني يتوجه للمطابع ليلاً وينتظر حتي تنتهي من طباعة الصحف ثم يقرر بعد ذلك منعها من التوزيع ممايكبد ادارات الصحف خسائر مادية كبيرة جداً تضاف لمعوقات العمل الصحفي الأحري التي تواجهها داخل االسودان.
ودعت الشبكة كافة المهتمين بحرية الصحافة في العالم بتسليط الضوء علي مايحدث من انتهاكات للحريات الصحفية بالسودان، وطالبت بتقديم المسئولين عن هذه الانتهاكات للمحاكمة والمحاسبة.
كما دعا المعهد الدولي الصحافة في بيان صحفي مطلع هذا لاسبوع ،دعا الحكومة السودانية الي التوقف عن مضايقات الصحفيين، والكف عن التضييق علي الصحف الناقدة .
الجدير بالذكر ان جهاز الامن هو الطرف الشاكي في جميع البلاغات الموجهه ضد الصحفيين الثمانية الذين يواجهون عقوبات مختلفة تترواح بين السجن والاعدام. غير ان هذا الجهاز الذي يشكو الصحفيين بتهمة اشانة السمعة هو في الاساس ذو سمعة سيئة ، وقد فقد عدد من النشطاء حياتهم داخل معتقلات الأمن بينما وثقت العديد من المنظمات الحقوقية حالات لاتحصي من التعذيب الوحشي داخل حراسات جهاز الأمن سئ السمعة الذي يقاضي الصحفيين حالياُ بتهمة اشانة السمعة.
يواجه الصحفيون في السودان العديد من اشكال الانتهاكات والقيود المفروضة علي حريتهم وحركتهم. وفي هذا العام فقط تم اعتقال اكثر من 30 صحفياً وصحفية في السودان أثناء القيام بواجبهم المهني. فإلي متي ياتري يستمر هذا القمع؟

الاثنين، 17 يناير 2011

نهاية الاستفتاء .. بداية اختبار التعايش

أغلقت مراكز التصويت لاستفتاء جنوب السودان يوم السبت أبوابها معلنة نهاية فترة التصويت لاستفتاء جنوب السودان وستعقب ذلك مرحلة اخري وأخيرة هي مرحلة اعلان النتيجة ، التي بات في حكم المؤكد انها ستفضي الي انفصال / استقلال جنوب السودان.
وبغض النظر عن ما ستفضي إليه نتيجة الاستفتاء ، أدعو في هذا المقام إلي ان يتقبل كافة الأطراف المعنيين بها ، هذه النتيجة ، علي أمل أن تتمكن شعوب السودان من خلق أرضية تعايش جديدة تبني عليها مستقبلها ومستقبل المنطقة .
ومع قبول نتيجة الاستفتاء يجب أيضاً علي الحزب الحاكم والمسئولين بالخرطوم أن يضمنوا سلامة وحقوق الجنوبيين الذين فضلوا العيش بشمال السودان كما يجب علي الحركة الشعبية ومسئوليها في جوبا أن يضمنوا سلامة وحقوق الشماليين الذين فضلوا البقاء بالجنوب.
التصريحات الصادرة عن المسئولين بحكومة جنوب السودان ما زالت ايجابية ، وقد أكد معظم المسئولين بالجنوب علي حماية وضمان حقوق وسلامة االشماليين بالجنوب.
لكن التصريحات الصادرة عن المسئولين بحكومة الخرطوم في غالبها عدائية ولا تنم عن روح ايجابية تقبل التعايش السلمي وقبول الآخر ، اوتقبل بالاختلاف. تصريحات ذات طابع اقصائي ومعادي لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
المؤسف ان التصريحات الصادرة من الخرطوم ، صدرت من مسئولين كبار بالدولة ، فمثلاُ ما قاله الرئيس في خطابه أمس الأول بمنطقة العليفون بان (الجنوب كان عبئاً علي السودان) تنم عن روح سلبية ولا تشبه حديث صادر عن رئيس دولة ما زال الجنوب جزءاً منها. عندما سمعت تلك التصريحات السلبية شعرت وكأن البشير هو ليس رئيساً للسودان بجنوبه وشماله.
التصريح الآخر الأكثر سلبية وعدائية هو ما أدلت به وزارة الداخلية الاسبوع الماضي حيث كشفت الوزارة الداخلية عن تعديلات جديدة في قانون الجوازات .وقال الفريق آدم دليل مساعد المدير العام لهيئة الجوازات والسجل المدني للصحف : " إن التعديلات على قانون الجوازات تأتي لمواكبة المستجدات العالمية، خاصةً في ظل الوجود الأجنبي والجريمة الإلكترونية، مشيراً الى إضافة عدد من المواد وحذف بعض المواد لتواكب القوانين العالمية حسب الاتفاقيات، وقال دليل إن التعديلات المطلوبة تم عرضها على اللجنة الفنية توطئة لتقديمها لمجلس الوزراء خلال الأسابيع المقبلة لحسم الجدل حول تقنين الوجود الأجنبي بالبلاد، وأضاف أن إدارته وضعت خطط ضبط الوجود الأجنبي غير الشرعي، بجانب توفيق وضع الجنوبيين بعد الاستفتاء في حال الانفصال بمعاملتهم كأجانب"!.
السيد آدم دليل يسعي لتغيير قانون الجوازات ليتواكب مع توجهات وزارته في ابعاد الجنوبيين من الشمال ومعاملتهم كأجانب !! هل السيد دليل لايدري بأن القانون الدولي وقانون الجنسية السوداني يعطي الجنوبيين وغيرهم الحق في الجنسية؟ . وهل يريد السيد دليل ان يتكون في السودان قطلع عريض من (البدون) – أي البشر الذين لايتمتعون بحق الجنسية ؟؟ ، وهل يدري سيادته ان حق الجنسية مكفول بالقانون الدولي لحقوق الإنسان ؟!.
التصريحات العدائية والسلبية (ما حبابا ) ويكفي شعوب السودان ما حاق بهم من فجيعة تقسيم كيانهم ووجدانهم الي جزئين.. ونأمل ان نسمع المزيد من التصريحات والخطوات الايجابية لدعم التعايش السلمي؛ ويكفي بلادنا حروباً ومآسي.

الأحد، 2 يناير 2011

من أجل استفتاء سِلمي

أنا أدعم حق تقرير مصير جنوب السودان ، واقبل نتيجته !

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

التحقيق الحكومي في جرائم دارفور .. الطعن في ظل الفيل !

ظهر لوسائل الإعلام لأول مرة منذ توليه مهمة المدعي العام لجرائم دارفور، وكيل وزارة العدل ومدعي عام جرائم دارفور مولانا عبدالدائم زمراوي ، وقال في حديثه بمنبر سونا يوم الأحد الماضي : ( ان الحصانات التي تضمنتها القوانين اجرائية ، وأكد : لن يفلت أحد من العقاب والمحاسبة اذا ثبت تورطه في جرائم دارفور). حسناً ما قاله مولانا زمراوي في هذا المنحي ، ونتوق – مثلما يتوق كثيرون – ان نسمع في القريب العاجل ، ان المدعي العام لجرائم دارفور اوقف المسئولين عن هذه الجرائم البشعة التي هزت الضمير الإنساني ، ولفتت اعين العالم لما يدور في هذه الارض المنسية.
وقد كانت السمة المميزة التي اتسمت بها الجرائم التي تم ارتكابها في اقليم دارفور هي افلات مرتكبي تلك الجرائم من العقاب ، وظلت مشكلة الافلات من العقاب تستعصي علي الحلول طوال السنوات الماضية ، وفي هذا المنحي ذكر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد لويس مورينهو اوكامبو : ان الحكومة السودانية تحمي مرتكبي الجرائم. فياتري ماذا سيفعل مولانا زمراوي لمواجهة هذه المعضلة؟.
وما أن تاتي سيرة التحقيقات في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في دارفور إلا ويتبادر للذهن العديد من اللجان والمدعين العامين الذين عينتهم الحكومة السودانية للتقصي والتحقيق في تلك الجرائم ، ومعروف ان الحكومة السودانية عينت اول مدعي عام للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت في دارفور عام 2005 ، (ابكم) ثم مدعي آخر في العام 2008 (نمر) ، ثم مدعي جديد هو زمرواي الذي تم تعيينه في هذا العام 2010 ، وظهر يوم الأحد الماضي لوسائل الاعلام بمنبر سونا وقال : ان التحقيقات التي تولاها اعضاء مكتبه بالتعاون مع ضباط من جهاز الأمن الوطني والمخابرات والشرطة والقوات المسلحة اثبتت تورط (50) متهماً اصدر اوامر قبض بحقهم .كما اثبتت تورط حركة تحرير السودان جناح عبدالواحد نور في احداث سوق تبرا بولاية شمال دارفور.
وبينما انا استمع لتصريحات مولانا زمراوي تلك ، طرحت علي نفسي سؤالاً ملحاً وهو : ماذا فعل مولانا زمرواي ومكتبه بنتائج التحقيقات السابقة التي توصلت لجان التقصي الوطنية والدولية ؟
من المعروف ان الأمين العام السابق للأمم المتحدة السيد كوفي عنان قد قام ــ بناء علي قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1564 (2004) ــــ بإنشاء لجنة تحقيق دولية تضطلع بالتحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ترتكبها جميع الأطراف في دارفور، ولتحدد أيضا ما إذا كانت وقعت أعمال إبادة جماعية، وتحديد هوية مرتكبي تلك الانتهاكات لكفالة محاسبة المسؤولين عنها.
في أكتوبر 2004، عين الأمين العام، أنطونيو كاسيسيه (رئيسا) وهينا جيلاني وتيريزا ستريغنر - سكوت ودوميسا نتسيبيزا ومحمد فايق أعضاء في اللجنة وطلب إليهم تقديم تقرير عن نتائج تحقيقاتهم خلال ثلاثة أشهر. وساندت اللجنة في عملها أمانة ترأستها مديرة تنفيذية، هي منى رشماوي، فضلا عن فريق للبحث القانوني وفريق للتحقيق مؤلف من محققين وخبراء في الطب الشرعي، ومحللين عسكريين، ومحققين متخصصين في مجال العنف ضد المرأة، عينتهم جميعا مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. واجتمعت اللجنة في جنيف وبدأت عملها في 25 أكتوبر 2004.
ولكي تضطلع اللجنة بولايتها، عملت على أداء أربع مهام رئيسية، هي: (1) التحقيق في التقارير المتعلقة بالانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي وللقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ارتكبتها جميع الأطراف في دارفور؛ و (2) تحديد ما إذا كانت قد ارتكبت أعمال إبادة جماعية أم لا؛ و (3) تحديد مرتكبي انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في دارفور؛ و (4) اقتراح الوسائل الكفيلة بمحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات. ولئن كانت اللجنة قد نظرت في جميع الأحداث ذات الصلة بالصراع الجاري في دارفور، فقد ركزت أعمالها بصفة خاصة على الأحداث التي وقعت في الفترة بين فبراير 2003 ومنتصف يناير 2005.

* انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي :

قالت اللجنة في تقريرها انها نظرت، وفقا لولايتها في التحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، في تقارير واردة من مصادر مختلفة ومن بينها حكومات، ومنظمات حكومية دولية، وهيئات وآليات تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية.
وذكرت اللجنة انها اتخذت منطلقا لأعمالها حقيقتين لا يمكن دحضهما بشأن الحالة في دارفور. أولا، فوفقا لتقديرات الأمم المتحدة، هناك أشخاص مشردون داخليا في دارفور يبلغ عددهم 1.65 مليون شخص، ويوجد أكثر من 000 200 لاجئ من دارفور في تشاد المجاورة. ثانيا، حدث دمار واسع النطاق للقرى في جميع أرجاء ولايات دارفور الثلاث. وأجرت اللجنة تحقيقات مستقلة للوقوف على المزيد من الوقائع وجمعت قدرا كبيرا من المعلومات عن حالات انتهاكات متعددة ارتكبت في قرى ومدن ومواقع أخرى عبر ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور. وتستند نتائج تحقيقات اللجنة إلى تقييم الوقائع التي تجمعت لديها أو استوثقت منها أثناء التحقيق.
توصلت اللجنة الي مسؤولية حكومة السودان ومليشيات الجنجويد عن انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي تشكل جرائم بموجب القانون الدولي. وعلى وجه الخصوص، فقد تبين للجنة أن قوات الحكومة والمليشيات شنت هجمات عشوائية، شملت قتل المدنيين، والتعذيب، والاختفاءات القسرية، وتدمير القرى، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والنهب، والتشريد القسري، في جميع أرجاء دارفور. وقد نُفذت هذه الأعمال على نطاق واسع وبصورة منهجية، وهي بالتالي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية. وأدت أعمال التدمير والتشريد واسعة النطاق إلى فقدان عدد لا يحصى من النساء والرجال والأطفال لأسباب المعيشة ووسائل البقاء. وبالإضافة إلى الهجمات واسعة النطاق، جرى اعتقال واحتجاز الكثيرين، وعزل الكثيرون في أماكن مجهولة لفترات طويلة وعُذبوا. وكانت الأغلبية الساحقة من ضحايا هذه الانتهاكات من قبائل الفور والزغاوة والمساليت والجبل والأرنجا وغيرها من القبائل المسماة بالقبائل ”الأفريقية“.
اتضح من نتائج تحقيقات اللجنة أن أغلب الهجمات استهدفت المدنيين عمدا وبصورة عشوائية. وابدت اللجنة انزعاجها الشديد أن أعمال التهجم على القرى، وقتل المدنيين، والاغتصاب، والنهب، والتشريد القسري استمرت كلها خلال فترة ولاية اللجنة.
وقالت اللجنة انه : (لم يتبين لديها وقوع هذه الانتهاكات وفق نمط منهجي أو منتشر ولكنها وجدت أدلة موثوقا بها على أن قوات التمرد، وجيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة مسؤولة هي أيضا عن وقوع انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي قد تشكل جرائم حرب. ومن بين هذه الانتهاكات، بوجه خاص، قتل المدنيين وأعمال النهب.)
* هل حدثت أعمال إبادة جماعية؟
خلصت اللجنة إلى أن حكومة السودان لم تتبع سياسة الإبادة الجماعية. لكنها اقرت بتوافر ركنين من أركان الإبادة الجماعية استنادا إلى وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبتها القوات الحكومية والمليشيات الواقعة تحت سيطرتها. والركنان هما: أولا، الفعل الإجرامي، فعل القتل، أو إلحاق أذى جسدي أو معنوي جسيم، أو تعمد إخضاع آخرين لظروف معيشية تؤدي على الأرجح إلى الهلاك البدني؛ وثانيا، وهذا معيار ذاتي، وجود جماعة محمية يستهدفها مقترفو السلوك الإجرامي. ورأت اللجنة أن العنصر الجوهري، عنصر عقد النية للإبادة الجماعية، غير موجود، على الأقل فيما يتعلق بالسلطات الحكومية المركزية. وقالت: إن سياسة التهجم على أفراد بعض القبائل وقتلهم وتشريدهم قسريا لا تدل على وجود نية محددة للإبادة الكلية أو الجزئية لجماعة تميزها مقومات عرقية أو إثنية أو قومية أو دينية معينة. والأحرى أن من خططوا للهجمات على القرى ونظموها فعلوا ذلك، على ما يبدو، بنية طرد الضحايا من مساكنهم، لأغراض تتعلق أساسا بالحرب ضد التمرد.
وتقر اللجنة بأنه ربما يكون هناك أفراد، ومن ضمنهم مسؤولون حكوميون، ارتكبوا أعمالا بنية الإبادة الجماعية. وقالت أن البت في صحة ذلك أو عدم صحته في دارفور أمر لا يتسنى إلا لمحكمة مختصة وعلى أساس كل حالة على حدة.
واوضحت اللجنة بأن الاستنتاج القائل بأن السلطات الحكومية لم تتبع ولم تنفذ سياسة الإبادة الجماعية في دارفور، مباشرة أو عن طريق المليشيات الخاضعة لسيطرتها، لا ينبغي أن يفسر بأية طريقة تقلل من خطورة الجرائم التي ارتُكبت في تلك المنطقة. وقالت ان الجرائم الدولية من قبيل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتُكبت في دارفور قد لا تقل خطورة وفظاعة عن جريمة الإبادة الجماعية.

* تحديد هوية مرتكبي الانتهاكات :
جمعت اللجنة عناصر موثوقا بها ومتسقة تشير إلى مسؤولية بعض الأفراد عن ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي، بما فيها جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، في دارفور. وبغية تحديد هوية مرتكبي هذه الانتهاكات، قررت اللجنة أنه لا بد من توافر مجموعة مواد موثوق بها تكون متسقة مع ظروف أخرى جرى التحقق منها وتنحو إلى إظهار جواز ومعقولية اتهام شخص بالضلوع في ارتكاب جريمة. ومن ثم، تجري اللجنة تقييما لمن يحتمل الاشتباه فيهم، دون إصدار حكم نهائي بإسناد الذنب الجنائي.
واوضحت اللجنة بأن : أولئك الذين أشير إليهم بوصفهم أشخاصا يحتمل أن يكونوا مسؤولين عن الانتهاكات الآنفة الذكر يتألفون من فاعلين أفراد، ومن ضمنهم مسؤولون في حكومة السودان، وأعضاء في قوات المليشيا، وأعضاء في الجماعات المتمردة، وبعض ضباط جيوش أجانب عملوا بصفتهم الشخصية. وسمي أيضا بعض المسؤولين الحكوميين، فضلا عن بعض أعضاء قوات المليشيا، باعتبار احتمال مسؤوليتهم عن المشاركة في توجه إجرامي مشترك لارتكاب جرائم دولية. وحُدد آخرون لإمكانية ضلوعهم في التخطيط لارتكاب جرائم دولية و/أو الأمر بها، أو المساعدة على ارتكابها والتحريض عليها. وكذلك أشارت اللجنة إلى عدد من كبار المسؤولين الحكوميين والقادة العسكريين ربما يكونون مسؤولين، بموجب مفهوم مسؤولية الرئيس (أو القائد)، عن عدم منع أو قمع ارتكاب جرائم رغم علمهم بها. وسُمي أعضاء من المجموعات المتمردة كمشتبه فيهم للاشتراك في توجه جنائي مشترك لارتكاب جرائم دولية وبصفتهم أشخاصا يحتمل أن يكونوا مسؤولين عن عدم منع أو قمع ارتكاب جرائم اقترفها المتمردون، رغم علمهم بها.
وقررت اللجنة عدم الإفصاح عن أسماء هؤلاء الأشخاص. ويستند هذا القرار إلى ثلاثة أسس رئيسية هي: أهمية مبدأي أصول المحاكمات واحترام حقوق المشتبه فيهم؛ و عدم منح اللجنة سلطة التحقيق أو الادعاء القانوني؛ و شدة الحاجة إلى كفالة حماية الشهود من احتمال التعرض للمضايقة أو التخويف. وعوضا عن ذلك، تعد اللجنة قائمة بالأسماء تضعها في ملف مغلق مختوم يودع لدى الأمين العام للأمم المتحدة. وتوصي اللجنة بتسليم هذا الملف إلى مدع عام مختص (هو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وفقا لتوصيات اللجنة) كي يستخدم هذه المواد على النحو الذي يراه مناسبا لما يجريه من تحقيقات. وسيسلم ملف مغلق مختوم منفصل ضخم جدا يتضمن جميع المواد الاستدلالية التي جمعتها اللجنة إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. وينبغي تسليم هذا الملف إلى مدع عام مختص.

* آليات المساءلة :
اوصت اللجنة بشدة بأن يحيل مجلس الأمن الحالة في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية فورا، عملا بالمادة 13 (ب) من النظام الأساسي للمحكمة. وكما أعلن مجلس الأمن مرارا، تشكل الحالة تهديدا للسلم والأمن الدوليين. وعلاوة على ذلك، فكما أكدت اللجنة، تواصل جميع الأطراف ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي. ومن شأن مقاضاة المحكمة الجنائية الدولية للأشخاص المدعى بمسؤوليتهم عن أخطر الجرائم في دارفور أن تسهم في استعادة السلام في المنطقة.
وقالت اللجنة في تقريرها : (نظام العدالة السوداني غير قادر على معالجة الحالة في دارفور وغير راغب في ذلك. وقد أُضعف هذا النظام كثيرا خلال العقد الماضي. وكان من شأن القوانين المقيدة التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة أن قوضت فعالية الهيئة القضائية. وكثير من القوانين السارية في السودان اليوم تخالف المعايير الأساسية لحقوق الإنسان. والقوانين الجنائية السودانية لا تحرّم بالقدر الكافي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، من قبيل الجرائم التي ترتكب في دارفور، وقانون الإجراءات الجنائية يتضمن أحكاما تحول دون المقاضاة الفعالة على هذه الأعمال. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أبلغ ضحايا كثيرون اللجنة بأنهم لا يثقون كثيرا في حياد نظام العدالة السوداني وقدرته على محاكمة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة المرتكبة في دارفور. وعلى أي حال، يخشى الكثيرون من التعرض لأعمال انتقامية في حالة لجوئهم إلى نظام العدالة الوطني.)
واوصت اللجنة كذلك بأن تتخذ حكومة السودان عددا من التدابير الجادة، خاصة في صعيد وضع حد للإفلات من العقاب على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في دارفور؛ و تعزيز استقلال الهيئة القضائية وحيادها، وتمكين المحاكم من معالجة انتهاكات حقوق الإنسان؛ و إتاحة وصول لجنة الصليب الأحمر الدولية ومراقبي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة على نحو كامل وغير معاق إلى جميع المحتجزين فيما يتعلق بالحالة في دارفور؛ و كفالة الحماية لجميع ضحايا وشهود انتهاكات حقوق الإنسان ؛ و تعزيز قدرة الهيئة القضائية السودانية عن طريق تدريب القضاة، والمدعين العامين، والمحامين؛ و احترام حقوق الأشخاص المشردين داخليا والتنفيذ الكامل للمبادئ التوجيهية المتعلقة بالتشرد الداخلي، خاصة فيما يتعلق بتيسير العودة الطوعية للمشردين داخليا في أمان وبكرامة؛ و التعاون الكامل مع هيئات وآليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ذات الصلة؛ و إنشاء لجنة للحقيقة والمصالحة، من خلال عملية تشاورية واسعة، فور استتباب السلام في دارفور.
واوصت اللجنة أيضا باتخاذ هيئات أخرى عددا من التدابير للمساعدة في كسر دائرة الإفلات من العقاب. ومن بين هذه التدابير ممارسة دول أخرى لمبدأ الولاية العالمية، وقيام لجنة حقوق الإنسان بإعادة إنشاء ولاية المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في السودان، وتقديم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان تقارير علنية ودورية عن حالة حقوق الإنسان في دارفور.
هذا التلخيص – الذي حاولت قدر الامكان ان يكون غير مخل - لتقرير اللجنة الدولية لتقصي الحقائق باقليم دارفور الذي قدمته للامين العام للأمم المتحدة الذي قدمه بدوره لمجلس الأمن. وهو تقرير واف ، شخص الأزمة وتوصل الي المجرمين الحقيقيين الذين ارتكبوا جرائم الحرب في دارفور ، نتمني أن لايغفله مكتب المدعي العام مولانا زمرواي.
كما ان هنالك لجنة وطنية لتقصي الحقائق شكلها رئيس الجمهورية بموجب القرار رقم 97 لسنة 2004م لتقصى الحقائق حول الإدعاءاتٍ بانتهاكات حقوق الانسان بولايات دارفور. وقد حدد القرار تشكيل اللجنة واختصاصاتها وسلطاتها على ان تمارس عملها بموجب قانون لجان التحقيق لعام 1954م.
اللجنة التي تراسها مولانا دفع الله الحاج يوسف ، قالت بأنها عقدت (65) اجتماعاً واستمعت الى (288) شخصاً كما زارت ولايات دارفور الثلاث عدة مرات و ذهبت الى (30) منطقة للوقوف على مسارح الاحداث واخذت البينة على اليمين من الشهود، كما اجتمعت بالسلطات المحلية والولائية والادارات الاهلية ومنظمات المجتمع المدنى والمنظمات العاملة فى مجال الإغاثة المحلية والاجنبية العاملة بولايات دارفور.
هذه اللجنة خلصت الي ان هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان وقعت بولايات دارفور الثلاث شارك فيها كل اطراف النزاع بدرجاتٍ متفاوته ادت الى معاناة انسانية لاهل دارفور تمثلت فى النزوح الى عواصم الولايات واللجوء الى تشاد.
وقالت اللجنة ان ما حدث فى دارفور بالرغم من جسامته لا يشكل جريمة الابادة الجماعية ذلك ان اشراطها لم تتوفر، فلم يثبت امام اللجنة ان احدى المجموعات المحمية وهى الاثنية او الدينية او العرقية او القومية وقع عليها ضرر جسدى او عقلى او أخضعت لعوامل معيشية قصد بها هلاكها كليا او جزئيا وتم ذلك بسوء قصد. وقالت ان ما وقع فى دارفور من احداث لا يشابه ما جرى فى رواندا او البوسنة او كمبوديا ففى تلك السوابق كانت الدولة تنتهج جملة سياسات تؤدى الى هلاك احدى المجموعات المحمية.

قالت اللجنة انه ثبت لديها ان القوات المسلحة قصفت بعض المناطق التى تحتمى بها عناصر من المعارضة المسلحة ونتيجة لذلك القصف قتل بعض المدنيين وقد قامت القوات المسلحة بإجراء تحقيقات فى هذا الامر وقامت بتعويض المتضررين بمناطق هبيلة، وام قوزين، وتولو ولازال التحقيق جارياً فيما يتعلق بحادثة ود هجام.
واكدت اللجنة بانه ثبت لديها ان المعارضة المسلحة ارتكبت نفس الافعال فقتلت مدنيين عزل وعسكريين جرحى فى مستشفى برام وقامت بحرق بعضهم احياء.
وقالت اللجنة ان كثيراً من حوادث القتل ارتكبته مختلف القبائل ضد بعضها البعض فى مناخ الصراع الدائر فى بعض المناطق مثل سانيا دليبة وشطايا وغيرها.
وقالت ان قتل المدنيين فى جميع الحالات السابقة يشكل انتهاكاً للمادة الثالثة المشتركة فى اتفاقيات جنيف 1949م .
ورأت اللجنة ان حوادث القتل بملابساتها المختلفة لا تشكل فى راى اللجنة جريمة الابادة الجماعية لعدم توفر عناصر هذه الجريمة وعلى وجه الخصوص عدم ثبوت استهداف اى من المجموعات المحمية والقصد الجنائى .
ذكرت اللجنة انه وردت ادعاءات بوقوع حالات إعدام بلا محاكمة من جميع الأطراف غير ان بعض الادعاءات فى هذا الشان لم تثبت امام اللجنة بما يقطع دابر الشك ولذلك اوصت اللجنة فى حالاتٍ محددة باجراء تحقيق قضائى مستقل
اما فى شان جرائم الاغتصاب والعنف الجنسى فقد قالت اللجنة انها حققت فيها فى جميع ولايات دارفور على مستوياتٍ مختلفة واستمعت على اليمين لعدد من الشهود بما فيهم المجنى عليهن وقامت بعرضهن على الكشف الطبى كما استصحبت اللجنة تقارير اللجان القضائية المفصلة التى زارت مختلف المناطق بدارفور بما فى ذلك معسكرات النازحين ؛ ومن كل ذلك ثبت امام اللجنة ان حوادث اغتصاب وعنف جنسى قد ارتكبت فى ولايات دارفور ،وقالت اللجنة ان هذه الحوادث لم ترتكب بطريقة ممنهجة وعلى نطاق واسع مما يشكل إرتكاب جريمة ضد الانسانية كما ورد فى الادعاءات، وقالت اللجنة ان اغلب جرائم الاغتصاب قد سجلت ضد مجهولين الا ان التحرى قاد الى توجيه اتهام لعدد من الافراد بما فيهم عشرة من افراد القوات النظامية ؛
زارت اللجنة عدة مناطق فى ولايات دارفور ادعى البعض ان ثمة نقل قسرى او تطهير عرقى قد وقع فيها، واستجوبت اللجنة اهالى تلك المناطق وثبت امامها ان بعض المجموعات من القبائل العربية هجمت على منطقة ابرم وعلى وجه التحديد قريتى مٌراية وام شوكة مما ادى الى نزوح بعض المجموعات ذات الاصول غير العربية منها واستقرت فيها الا ان السلطات كما افاد معتمد محلية كاس – في حديثه للجنة - قد شرعت فى اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتصحيح هذا الوضع واعادة الممتلكات لاصحابها. ان ما قامت به بعض المجموعات العربية افضى الى نزوح قسرى لتلك المجموعات ولذلك ترى اللجنة ان يتم تحقيق قضائى لمعرفة الظروف والملابسات التى ادت لهذا الوضع فاذا ما ثبت ارتكاب جريمة النقل القسرى تتخذ الاجراءات القانونية ضد تلك المجموعات ذلك ان ما حدث يشكل سابقة خطيرة تخل بالاعراف السائدة ويؤدى بدوره الى افعال مشابهة تؤدى الى تفاقم المشكلة.
وقالت اللجنة انها زارت اللجنة الكثير من القرى التى تم حرقها بمحليات كلبس، الجنينة وادى صالح وكاس ووجدت ان اغلبها غير مأهول مما لم يمكنها من استجواب سكانها كما وجدت فى بعضها قوات من الشرطة التى تم نشرها مؤخراً بعد الاحداث تمهيداً للعودة الطوعية للنازحين. ولكن افادات الشراتى والعمد الذين اصطحبتهم اللجنة فضلاً عن القرائن – التي راتها اللجنة - تدل على ان مسئولية حرق القرى تقع على كل الاطراف فى مناخ النزاع المستعر، وثبت ان افعال الحرق كانت سبباً مباشرا فى نزوح سكان تلك القرى من القبائل المختلفة والتى تشكل قبيلة الفور اغلبية سكانها الى المعسكرات، مثل دليج وكلمة، قرب المناطق الآمنة والتى تتوفر فيها الخدمات المختلفة.
وقالت اللجنة ان اسباب النزاع تستدعي اتخاذ تدابير ادارية وقضائية اوصت اللجنة بدراستها كما اوصت بمعالجة القصور الاداري
اوصت اللجنة ، ايضاً ، فى تقريرها بتكوين لجان تحقيق قضائية فى : الادعاء بالاعدامات خارج النطاق القضائى بمنطقة دليج وتنكو لوجود قرائن ترى اللجنة ان يتم فيها تحقيق قضائى مفصل وتقديم من تثبت ضدهم تهمة مبدئية للمحاكمة خصوصاً ان هنالك اتهام موجه الى افراد بعينهم.
‌وفي الادعاء باستيلاء بعض المجموعات العربية على قريتين لقبيلة الفور بمحلية كاس والتى علمت اللجنة ان تحقيقاً ادارياً يجرى فيها الآن بواسطة لجنة كونها والى ولاية جنوب دارفور،وذلك لخطورة الاتهام وتداعياته التى تستوجب الاسراع فى الاجراءات.
كما اوصت اللجنة بالتحقيق فيما تم فى برام ومليط وكلبس من قتل للجرحى فى المستشفيات وحرق بعضهم احياء،واتخاذ الاجراءات تجاه الجناة خصوصاً وقد تضمنت افادات الشهود اسماء معينة ومعروفة لدى المواطنين.
هذا التلخيص ، غير المخل، لتقريري لجنتي التقصي الدولية والوطنية بشأن الجرائم التي ارتكبت في دارفور نضعه بين يدي القارئ المتابع لمجريات الأحداث بالاقليم ، ونذكر به مكتب المدعي العام لجرائم دارفور علي أمل أن تستبصر بهما التحقيقات التي تتم في المستقبل لتتمكن من الوصول للمجرمين الفعليين ، وتكون بمثابة طعن في الفيل وليس في ظله!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر :
1/ تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن دارفور المقدم إلى الأمين العام -2005 م.
2/ تقريرلجنة تقصى الحقائق حول الادعاءات بانتهاكات حقوق الانسان
المرتكبة بولايات دارفور (لجنة مولانا دفع الله الحاج يوسف) – 2004م.

الجمعة، 17 يوليو 2009

الامدادات الطبية .. الصراعات بين مافيا الدواء!

تكتسب الهيئة العامة للامدادات الطبية اهمية وجودها من اهمية نطاق عملها ، اذ تعمل في مجال توفير الدواء السلعة الاكثر اهمية بالنسبة لحياة المواطن والتي تفوق في اهميتها العديد من السلع الاخري.ويدور صراع عنيف هذه الايام حول خصخصة الهيئة العامة للامدادات الطبية ،اطرافه معروفة للجميع . وإذ نكتب اليوم عن الامدادت الطبية لا لنكشف من هم اطراف الصراع بقدرما ما يهمنا ان نؤكد علي ما نعتقد، وفقا لهدي العقل والمنطق، بانه الطريق الذي يفضي الي حيث مصالح المواطنين ،وهو اهمية وجود هيئة عامة للامدادات الطبية بهدف ضمان توافر نوعية جيدة من الدواء ، وتوفيره ضمن الاحتياجات الملحة للمواطن ، وتثبيت اسعار الدواء ، وضمان التوزيع الجغرافي المتوازن للدواء، بما يضمن توزيعه لكافة جهات البلاد.
أهمية وجود هيئة عامة للدواء ،يكتسب مزيدا من الاهمية اذا حاولنا الاجابة علي سؤال: ما الذي يحدث اذا كان القطاع الخاص وحده يحتكر سوق الادوية؟ في معرض الاجابة علي هذا السؤال تتبين اهمية وجود هيئة عامة للامدادات الطبية. ومما لا شك فيه اذا احتكر القطاع الخاص وحده سوق الدواء فإن ذلك سينعكس بكثير من المخاطر علي صحة المواطن ،لا سيما وان القطاع الخاص في سعيه المحموم وراء الربح والاهتمام به اكثر من غيره، سيلجأ الي وسائل ملتوية لضمان الربح والعائد السريع.
بالاضافة الي ذلك فإن هناك انواع معينة من الادوية مربحة يمكن ان يلجأ اليها القطاع الخاص اكثر من غيرها مثل الكريمات وادوات التجميل. بجانب ذلك فان تركيز الدواء في ايدي القطاع الخاص من شانه ان يخلق فجوة في سوق الدواء جغرافيا وكمياً.
ينطرح هنا سؤال موضوعي ومهم للغاية ،وهو لماذا نتمسك بأهمية وجود هيئة عامة للإمدادات الطبية؟ في معرض البحث عن اجابة لهذا السؤال وقفنا علي الوضع الحالي للإمدادات الطبية، وما تحتاجه لأن تقوم بمهامها علي الوجه الاكمل .
في اعتقادي ان الهيئة العامة للامدادات الطبية تحتاج الي صيغة جديدة ترجع بها الي سابق عهدها كجهة مسئولة عن استيراد وتوزيع الدواء حسب النوعية والمواصفات المطلوبة بالمجان للمستشفيات العامة، والمراكز الصحية، وأن لا يتم التعامل مع الدواء باعتباره سلعة تجارية ،بل هو أحد أهم السلع التي تتوقف عليها حياة الناس .
وحري بالدولة التي تجمع الضرائب والجبايات من المواطنين أن توفر لهم الدواء مجاناً ، وليس ذلك عليهم بكثير !!.



** الميدان ، العدد (2124) الثلاثاء 30 يونيو 2009م ,

لبني .. والرسالة لبقية النساء !

علي الرغم تعهدات الدولة المتكررة بالالتزام بوقف العنف ضد المرأة ، إلا ان العنف ضد النساء والفتيات وتعريضهن للاذي ظل متواصل بطريقة متواترة وتتصاعد بين الحين والآخر.. ويتخذ العنف ضد النساء العديد من الاشكال ، فبجانب العنف من المجتمع ، يتبدي العنف من الدولة والجهات الرسمية، ويبقي العنف الموجه ضد النساء وقهرهن عن طريق القوانين والتشريعات هو الأسوأ في مجتمعنا ، وقبل ان نفيق مع صدمة اسقاط المادة (13 ) من قانون الطفل التي تحرم وتجرم ختان الإناث ، دخلنا في صدمة المادة (152) من القانون الجنائي التي تدين النساء والفتيات لمجرد ارتدائهن لملابس لا (تعجب) رجال الشرطة.
في سياق الحديث عن (ظاهرة) العنف المنظم ضد النساء من قبل الجهات الرسمية ، يأتي ذكر الحادثة الاشهر هذه الايام ، وهو قرار احالة الصحفية لبني احمد حسين ، صاحبة العمود الشهير (كلام رجال ) ، لمحكمة النظام العام بالسجانة وسط بتهمة إرتداء ملابس (تخدش الحياء والذوق) حيث رأت الشرطة القائمة على تنفيذ قانون النظام العام في ملابس (لبنى) خطراٌ على المجتمع وقيمه السمحة !! .. والعقوبة لهذه الجريمة هى الجلد 40 جلدة وبشكل علني وذلك وفقاً لنص المادة (152) من القانون الجنائي لسنة 1991 بتهمة (إرتداء ملابس مُضايقة للشعور العام).
و يُعد قانون النظام العام من أشد القوانين تمييزا ضد المرأة السودانية لانتهاكه حريات أساسية من حق المواطن التمتع بها.وقد استهدف هذا القانون المرأة العاملة والطالبة بشكل خاص، وكأنه قد سن لاضطهادهن وإذلالهن وتقييد حريتهن وعزلهن عن المشاركة فى الحياة العامة .
علي خلفية هذا القرار نظمت مجموعة من الناشطات النسويات وقفة تضامنية مع الكاتبة الصحفية لبني أحمد حسين ،امس , بمقر صحيفة أجراس الحرية ، ضد قرار احالتها للمحاكمة ، شارك في الوقفة ناشطين بالمجتمع المدني وسياسيين وحقوقيين وقانونيين.
وقد تضامنت مع لبني جهات دولية عديدة من بينها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي انتقدت توجيه التهمة للُبني وطالبت الحكومة السودانية بوقف المحاكمة.
وطالبت الشبكة المنظمات الدولية المهتمة بحرية الصحافة والمدافعة عن حقوق المرأة بالاحتشاد خلف لبنى لوقف هذه المحاكمة التى تنتهك كافة المواثيق الدولية التى تدافع عن حرية المرأة ، وقالت : ان الحكومة السودانية تنتقم من معارضيها بشتى السبل وتستخدم القوانين سيئة السمعة للانتقام منهم .
وسجل الجميع أشادتهم بجرأة وشجاعة الصحفية لبني التى لم تهتز او تخاف من القرار بل قامت بطبع (400 ) كرت دعوة لكافة الإعلاميين والصحفيين لحضور جلسة محاكمتها وفى حال اتخاذ قرار بالجلد تدعوهم أيضا إلى حضور تنفيذه.
وتكرر في السنوات الأخيرة مداهمة السلطات لحفلات وتجمعات وأماكن عامة يُزعم فيها ارتداء ملابس فاضحة ,وقد حُكم علي آلاف الفتيات والنساء بالجلد والسجن والغرامة جراء ارتداء ملابس تزعم الشرطة أنها فاضحة ومُضايقة للشعور العام .
والغريب في الأمر ان ضابط الشرطة الذي يقوم بالتحقيق مع المتهمات بلبس الملابس الفاضحة يطلب من كل فتاة بعد المثول أمامه أن ترفع يديها وتستدير استدارة كاملة أمامه وبعد ان يُمعن النظر والتدقيق في تفاصيل جسدها بالكامل من الخلف والامام يصدر حُكمه بعد ذلك ان كان الزي فاضحاً أم لا !! .. ومن ثم يحيلهن لمحكمة النظام العام التي تقوم بدورها بتنفيذ العقوبات التي تتراوح ما بين الجلد والسجن والغرامة.
ووصف قانونيون هذ النوع من المحاكمات بانها جائرة لانها (ايجازية) ولا تعطي المتهمة الحق في الدفاع عن نفسها أو اخطار محامي للدفاع عنها.
ان اختيار الإنسان لملبسه هو جزء لا يتجزأ من حرية التعبير والحق في الخصوصية. وهذه الحقوق واردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعكس مبادئ القانون الدولي . وأي تدخل من الدولة في هذه الحقوق يجب ألا يكون إلا بناء على قانون واضح ويسهل الاطلاع عليه.
ويقول ناشطون : ان القبض على الأفراد واتهامهم لمجرد أن الشرطة ترى أن مظهرهم غير مقبول هي ضربة في صميم حرية الإنسان.